أرشيف شهر 3

كم عدد أجهزة الحاسب الآلي في منزلك؟

عندما كنت أحاضر عن موضوع التجارة الإلكترونية قبل وقت ليس ببعيد، سألت الحضور عن عدد أجهزة الحاسب الآلي في منازلهم؟ هل تعلم عزيزي القارئ ماذا كانت إجابتهم؟ كانت إجابة أغلبية الحضور(بنسبة 90%) أنه متوفر لكل فرد من العائلة (بسن قادر على إستخدام الحاسب الآلي) جهاز حاسب آلي (سواءً محمول أو مكتبي). أما البقية من الحضور فكانت أجهزة الحاسب الآلي متوفرة لديهم بنسبة جهاز حاسب آلي لكل 1.5فرد من العائلة. كانت دهشتي كبيرة جداً لعلمي بأن المستوى الإقتصادي لأغلبية الحضور يميل إلى المستوى المتوسط أو المتوسط-المتدني.

إستخدام الحاسب الآلي من قبل أفراد العائلة شيء جميل جداً وأنا من مؤيديه، ولكن بأن يكون جهاز حاسب آلي مستقلا لكل فرد، برأي الشخصي يعتبر خطأ كبيرا جداً وذلك لعدة أسباب منها:

1.إنعزال كل فرد من العائلة في غرفته أو مجلسه بسبب إنشغاله بالحاسب الآلي، فيكون ذلك على حساب إجتماع وترابط الأسرة.

2.العالم الرقمي (بما في ذلك الإنترنت) مليء بما هو مضر عقائدياً وفكرياً وإجتماعياً وأخلاقيا ومن الخطر على صغير العائلة أن يختلي بجهازه عن من يستطيع توجيهه للصواب.

3.المضار الصحية الناتجة عن طول إستخدام أجهزة الحاسب الآلي.

4.العبء الإقتصادي الذي يتكبده رب الأسرة عند شراء وصيانة تلك الأجهزة.

ولكن لماذا شراء جهاز خاص لكل فرد في العائلة؟ هل هناك حاجة علمية أو عملية تستدعي ذلك؟ هل أن الضغط من أفراد العائلة يجبر رب الأسرة على شراء هذه الأجهزة حتى وإن كانت مضرة لهم؟ أم أن رب الأسرة لا يرغب أن تطلب عائلته أي شيء بدون أي ينفذه؟ في كل الأحوال المسئولية تقع على رب الأسرة ولابد من دعم سيدة المنزل لتنفيذ سياسة آمنة لإستخدام الحاسب الآلي وأتمنى من الوالدين أن لا يقعوا ضحية ضغط مجتمع أو فرد من العائلة ولابد لهم من تذكر أن “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”.

أترك تعليقا

حبس القاصر

(أثار حكم بسجن ولدي متوفى كان مدينا بقرض لأحد المصارف المحلية جدلاً واسعاً بين الورثة خصوصا وأنهم ابدوا استعداداً لبيع منزل لسداد المتبقي من القرض.. وحكم القاضي خلال جلسة عامة بسجن ولدين من ورثة المتوفى الذي كان قد أخذ القرض من المصرف لبناء منزل لأسرته.. وطالب المصرف بتسديد قيمة القرض رافضا إعفاء الأسرة من المديونية بحجة وجود بيتين في تركة المدين.. ولم تمانع أسرة المتوفى في بيع أحد البيتين لسداد المبلغ ، لكن القاضي قرر سجن ولديه القاصرين 16- 14عاماً لمدة شهرين حتى سداد المديونية.. ويحاول وكيل الورثة حالياً عمل ما يلزم لإيقاف الحكم على الشقيقين القاصرين قبل التنفيذ وأكد استعداده بالكفالة الحضورية والغرامية إنقاذا لهما وحفاظا على بقية الورثة).

شكّل هذا الحكم القضائي والذي أوردته عدد من الصحف الإلكترونية.. العديد من علامات التعجب تجاه حبس المدين الذي وإن كان طريقاً من طرق التنفيذ الجبري.. إلا أنه أيضاً عبارة عن وسيلة استثنائية.. تهدف للضغط على شخص المدين بحرمانه من حريته لمدة مؤقتة لحمله على تنفيذ التزاماته.. فإن التزم بأدائها أو كان له ما يفي بها.. أو استعد بجدولتها.. لم يجز للقاضي القفز إليها دون تراتبيتها القانونية الإلزامية..!

جاء في المادة (230) الضابط الدقيق للحبس في حالة: (إذا امتنع المحكوم عليه من تنفيذ الحكم الصادر ضده لغير عذر الإعسار ولم يمكن التنفيذ على أمواله) وجاء ضمناً كذلك في الفقرة (8) من المادة (202) بأن (ما يتم بيعه من أموال المدين وأموال المحجوز لديه عند امتناعه عن الإيداع.. إلخ).

ثم إن الفقه الإسلامي إنما أجاز حبس المدين الموسر المماطل.. لا إكراهه على الوفاء استناداً إلى قوله صلى الله عليه وسلم (مطل الغني ظلم).. أما غير ذلك فلا يجوز لقوله تعالى (نظرة إلى ميسرة) استناداً إلى أن الحبس يمس بدن المدين وكراهته.. وفي حبسه تعطيل لقوته البشرية دون فائدة.. ومن الأفضل أن يترك ليعمل ليجد ما يفي به دينه.

هذا الحكم باعتقادي.. يجب أن يخضع لعدة اعتبارات.. قياساً على أنه لا زال في طور الطعن عليه أمام محكمة التمييز:

@ على القضاة الخروج قليلاً عن عباءة فقه التكاليف العبادية.. فسن التكليف الشرعي والذي حدده الفقهاء ب 15عاماً.. ليس سن البلوغ في المعاملات المالية.. ولا أحد يقول بأن ابن الخامسة عشرة يستطيع البيع والشراء ونحو ذلك من التعاملات التجارية والتي لا يحيط بها إلا ابن الواحدة والعشرين.. فهل نرى قاضياً جريئاً يجتهد في هذا.. ويعلنها لنا كسابقة قضائية..!

@ إجراءات الحبس وضحتّها بشكل دقيق المادة (230) من نظام المرافعات الشرعية (إذا امتنع المحكوم عليه من تنفيذ الحكم الصادر ضده لغير عذر الإعسار ولم يمكن التنفيذ على أمواله جاز للمحكوم له طلب توقيف المحكوم عليه بموجب عريضة يرفعها إلى الحاكم الإداري المختص ، وعلى الحاكم أن يأمر بوقف الممتنع لمدة لا تزيد عن عشرة أيام) فمن أين جاء الحكم بشهرين دفعة واحدة..!

@ إجراءات الحبس يجب أن تعدّل وفق ترتيب دقيق جداً.. بحيث تبدأ بتقديم الطلب ليصل من ثم إلى قاضي التنفيذ.. الذي يقوم بدوره باستدعاء المدين والتحقق منه.. ومن المستندات المقدمة وفقاً للأصول القانونية ليصدر قراره من ثم بعد انتهاء مدة الإخطار المرسل إلى المدين من أجل الوفاء.. وعدم تقديمه التسوية التي من شأنها إما السداد.. وإما التقسيط.. على أن تكون التسوية بربع المبلغ المستحق مثلاً كحد أدنى مما يدل على جدية المدين ويقطع الطريق أمام تشفي الدائن.

@ إن آلية حبس المدين بقدر ما تمثّل علاجاً ناجعاً لمشكلة بطء إجراءات التنفيذ وعدم فاعليتها.. وبقدر ما تشكّل وسيلة أثبتت نجاحها وفاعليتها في إيصال الحقوق لأربابها.. إلا أنها يجب أن تخضع لإجراءات سبقتنا إليها التشريعات المجاورة والتي لم تجاوز غيرها إليها إلا بشروط وضوابط ومحاذير دقيقة منها: عدم عرض المدين للتسوية.. وملك المحكوم عليه ما يكفي لسداد الدين المحكوم به.. أو تصرف المدين بأمواله بقصد التهرب من السداد.. أو ثبوت نية المحكوم عليه بالفرار.

القانون.. هو الضابط الدقيق.. الذي يقطع الطريق.. أما اجتهاد.. يظن صاحبه أنه مصيب فيه..!

@ الباحث في أنظمة العقار

أترك تعليقا

أزمة سيولة وسياسيين

“يوجد سببان للكارثة “المالية” التي نواجهها هذه الأيام أولا الطمع والثاني التفاؤل”

باربرا أيرينرايك – ليبرالية متقدمة -

الفت عشرين كتاباً

هنري بولسون وزير الخزانة الأمريكي والذي يملك ثروة تتجاوز 700مليون دولار أمريكي، وحصل على تعويضات على مدى سنوات عديدة تتجاوز أحيانا كثيرة 50مليون دولار، من المفارقات الآن أنه يطالب بتقليص المستحقات المالية للمدراء التنفيذيين في الشركات الأمريكية، الذين يحصلون على رواتب عالية وهم يقودون شركات خاسرة، بولسون وزير الخزانة، يتحدث بصفته رجل مال وأعمال أمام الكونغرس وهو يجيد لغة الأرقام والأحصاء، أما السياسيون فهم يجيدون الحديث في السياسة أكثر من الأرقام، ولعل هذا ما سبب رفض مجلس النواب الأمريكي لفرض خطة الانقاذ للحكومة الأمريكية وأعيد صياغتها وتنقيحها لكي يمكن القبول بها، السياسيون الآن وهم الحكومة الأمريكية تسببت بخسائر فادحة وكبيرة من العراق وأفغانستان والآن الاقتصاد الأمريكي حتى وصلت الخسارة بيوم الاثنين “الأسود” إلى تريليون دولار أمريكي فقط، والدين الحكومي يتجاوز 13تريليون دولار أمريكي، هذه منجزات سياسيين قبل الآقتصاديين، وحين تقيم وضع الاقتصاديين وأصحاب المال والأعمال يدهشك أنهم يتسببون بكوارث لا حصر لها، ووجدنا كم بنك تبخر وكم بنك استثماري أفلس وأندمج، وكم مدير مالي يبحث عن وظيفة في الجمعيات الخيرية، الآن الثقة تنتزع من السياسيين، والاقتصادين والماليين ذوي الياقات الأنيقة البيضاء هم من يقود الكوارث والافلاس بطول الغرب وعرضه من الولايات المتحدة إلى انجلتر، لا أحد ينجو من الكارثة، الآسواق الآن تعاني من شح سيولة، حتى أصبح الاقراض بين البنوك وصل لنسبة % 4وهذا رقم كبير لم يحدث من 13سنة، وأصبحت البنوك لا تقرض لمدة عشرة أيام ناهيك عن الأشهر والسنوات، الثقة تتزعزع وأصبح الأقراض يعاني من عائق الثقة من الماليين، وهذا يعني تعثرا اقتصاديا فلا اقتصاد بدون اقراض في عالم الرأسمالية والصناعة والمشاريع، أين السيولة ؟ ومن أين ستأتي ؟ في الولايات المتحدة تأتي بنسبة كبيرة من دافع الضريبة، والسياسيون الأمريكيون يغطون افلاس البنوك وضياع الأموال من دافع الضريبة، وانتخاب رئيس أمريكي جديد خلال أقل من 30يوما تقريبا وماكين ينتظر كل صوت، لكن الازدهار الاقتصادي غالبا ديمقراطي لا جمهوري وما بين كلنتون السابق وبوش الأب السابق نجد التباين في الانجاز الاقتصادي، أزمة السيولة الحالية والتي سيطول أمدها هم السياسيون من صنعها، فهل الرئيس الأمريكي يدرك معنى ميزان مدفوعات أو توازن اقتصادي أو سعر لايبر وغيره، يصنعنون القرار لكن لا يصنعون الانجاز، وحين يأتي هنري بولسون وزير الخزانة رجل المال والأعمال والثروة، ويتحدث بلغة المال والأعمال فانه يتحدث لغة مبهمة لا يدركها إلا متخصص، وهو يتحدث أمام مجلس نواب وكونغرس، ورفضت الخطة، وهي ستقر بتقديري، ولكن حين يحدث التباين بين الاقتصادي المتخصص والسياسي صاحب القرار، لن يحدث التوافق والقرار الصحيح في الوقت الصحيح.

أترك تعليقا

هل حُلّت أزمة الأسواق المالية في الولايات المتحدة؟

بسرعة غير معهودة، أقر مجلسا النواب والشيوخ خطة الإدارة الأمريكية لإنقاذ الأسواق المالية بعد أسبوعين من عرضها، على الرغم من تلكؤ كثير من الأعضاء الجمهوريين في مجلس النواب من الأصوليين المؤمنين بخرافة “آلية السوق”، مما تطلب التصويت على الخطة مرتين للحصول على أغلبية.

وقد بدأ العمل على تنفيذ الخطة حال إقرارها يوم الخميس 2أكتوبر وإصدارها بمرسوم رئاسي، وتتلخص الخطة التي تقع تفاصيلها في أكثر من 100صفحة في أربع خطوات:

1- تعيين مجموعة عمل من حوالي 20شخصاً في وزارة الخزانة التي تزعمت هذا العمل منذ فترة، من ذوي الخبرة في الأسواق المالية (عدد لا بأس به منهم من “جولدمان ساكس” وهي الشركة التي كان وزير الخزانة هنري بولسون كان يعمل بها. والعمل الرئيسي لهذه المجموعة هو الإشراف على تنفيذ الخطة ومتابعة عمل شركات الاستثمار التي ستديرها.

2- الاستعانة بشركات استثمارية – بين 5إلى 10- لتقييم وشراء الرهون المتعثرة من البنوك، وتديرها نيابة عن الحكومة. وستبدأ المجموعة في طلب عروض الشركات ابتداء من يوم الاثنين 6أكتوبر، ويمكن أن تستغرق هذه الخطوة أسبوعين.

-3الشراء الفعلي للرهون المتعثرة والذي قد يستغرق حوالي شهرين، نظراً إلى العدد الكبير المتوقع لتلك الرهون.

4إدارة الأصول التي يتم شراؤها، ويتوقع أن يستغرق ذلك عدة سنوات على الأقل لكي تتم بشكل صحيح.

هذا هو ملخص الخطة، فهل ستنجح في حل الأزمة المالية الأمريكية؟

هناك عدة معايير للنجاح، يجب أخذها بعين الاعتبار، وقد تنجح الخطة في تلبية بعضها بشكل أفضل من البعض الآخر:

@ فمن ناحية، هناك الهدف السريع والذي يتعلق بوقف بيع الرهون بالمزاد وإخراج العائلات من منازلهم، وهو أمر يمس حوالي مليوني عائلة حسب التقديرات الأولية. ومن المتوقع أن يتم تحقيق ذلك بدرجة لا بأس بها. أي شراء بعض الوقت لتلك العائلات ريثما يتم الاتفاق على تفاصيل السداد الجديدة.

@ وهناك معيار آخر يتعلق بحماية البنوك التي تملك تلك الرهون حالياً من الإفلاس، وتحقيق ذلك سيتوقف على السرعة التي يتم بها تطبيق الخطة قبل انهيار عدد كبير منها.

@ أما معيار التكلفة فهو سبب التردد من قبل الكونجرس، خاصة مجلس النواب الذي يُعتبر الأمين الرئيسي على الأموال العامة. فمن الناحية النظرية يجب ألا تكلف الخطة الخزانة الحكومية ودافعي الضرائب كثيراً على المدى البعيد، بل تقول الحكومة بأنه قد تحقق ربحاً من ذلك في نهاية المطاف، ولكن التجربة التاريخية في أزمة بنوك التسليف مثلاً تشير إلى أن تحقيق هذا الهدف من أصعب الأمور. ومن هنا كانت مطالبة الكونجرس – والتي لبتها الحكومة – بأن يكون له دور رئيسي في المراقبة والتقييم.

وتلقي هذه المعايير بعبء كبير على وزارة الخزانة، إذ إن أي خطأ قد ينجم عنه آثار اقتصادية جسيمة، فقد يفقد عدد كبير من العائلات منازلهم نتيجة الخطأ في وضع معايير الشراء مثلاً، وقد ينتهي الأمر بخسائر جسيمة لدافعي الضرائب في حال تم تقييم الأصول بأعلى من قيمتها عند الشراء وأقل من قيمتها عند البيع. وسينعكس ذلك سياسياً على الإدارة الأمريكية.

أما الهدفان الرئيسان الآخران للخطة وهما إعادة الثقة في الأسواق المالية، وإنقاذ الحملة الانتخابية لجون ماكين، فيتطلبان معالجة منفصلة أرجو أن تتاح لي فرصة القيام بها في الأسابيع القادمة.

أترك تعليقا

مشاريع الحرمين الوقفية.. لننعتق من دائرة التوظيف النمطية

شهدت العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك لهذا العام، وضع حجر الأساس لمشروع وقف الملك عبدالعزيز للحرمين الشريفين رقم (2) بمكة المكرمة، الذي يأتي في سلسلة الأوقاف التي تهدف إلى تقديم الخدمات التي يحتاجها قاصدو بيت الله الحرام، وذلك بعد أن تم تدشين مشروع وقف الملك عبدالعزيز للحرمين الشريفين رقم (1)، في نفس الفترة من عام 1423ه الذي دخل مرحلة التشغيل الفعلي في الوقت الحاضر، ويتكون هذا المشروع الذي سيخصص ريعه مثل سابقه لصالح الحرمين الشريفين، على نحو ما صيغ به الوقف الذي قبله، أي من مجموعة من الأبراج المشتملة على أكثر من أربعة آلاف وحدة فندقية، اضافة إلى مجمع تجاري ومواقف للسيارات والحافلات، ويأتي هذا المشروع الوقفي وفق ما أفاد به المسئولون في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، إسهاماً في الجهود التي تبذل لايجاد السبل والبدائل التي تلبي الحاجة إلى اسكان الأعداد المتزايدة من الحجاج والمعتمرين، من خلال مشاريع تحتوي على خدمات سكنية وتجارية.

إن من أبلغ ما قيل بمناسبة وضع حجر الأساس لهذا المشروع، هو ما ذكره معالي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف، رئيس مجلس الأوقاف الأعلى، الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، من حاجة الأمة الإسلامية إلى توسيع مفهوم الوقف، وأن لا ينظر في مجالات الصرف ومجالات التنمية إلى انها من واجبات الدولة الإسلامية فقط، فلم يكن هذا المفهوم في عهد الخلفاء الراشدين، بل كانت كل عناصر التنمية التي يحتاجها المجتمع مما أوقفه المسلمون.

إن ما أشار إليه معاليه في سياق حديثه عن هذه المناسبة. ليقود في الواقع إلى لفت انتباهنا إلى أمرين أساسيين، أولهما درجة اسهام المشاريع الوقفية الجديدة بوجه عام، وأوقاف الحرمين على نحو خاص في برامج التنمية ذات العائد الاقتصادي والربحي في آن واحد. سواء كان ذلك في المجال الصحي، أو التعليمي أو المالي، أو الصناعي، أو نحوها… مما يوافق شروط الواقف بطبيعة الحال، وتدخل ضمن أهداف الوقف الإسلامي الذي نوه إليه معاليه، وأمتدت إلينا بعض شواهده من سلفنا الصالح، أما الجانب الآخر، وان اعتبر امتداداً للأول، فهو المتعلق بالمشاريع الوقفية مدار الحديث، التي يعود ريعها لصالح الحرمين الشريفين، ومدى بلورتها ليس كسلسلة متتالية من المشروعات الاستثمارية التجارية المنفصلة عن بعضها لا رابط بينها سوى انها مشاريع وقفية، وإنما كمنظومة متكاملة ذات غرض تنموي للمجتمع المسلم، وليس ريعياً فقط وبالذات في المدينتين المقدستين، لتشمل بالاضافة إلى الوحدات الفندقية والتجارية، على نحو ما توظف له حالياً بصورة نمطية مواقع تلك الأوقاف، المستشفى، والمؤسسة التعليمية، والمؤسسة المالية، ومرفق النقل والمواصلات، والمصنع، وحتى دار الطباعة والنشر.. ونحوها مما تتطول به القائمة.

ان المواءمة التنموية بين المشروعات الوقفية التي تقام في مكة المكرمة والمدينة المنورة، الهادفة إلى تقديم الخدمات التي يحتاجها قاصدو البيت الحرام، ومسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم حري بأن نرى شواهدها تظهر على أرض الواقع، فالحاج والمعتمر والزائر لا تقتصر حاجته كما نعلم فقط على دار الايواء الصحية والمريحة، التي تنزع في المشاريع الوقفية الجديدة في أن تكون فارهة أيضاً، بل إلى اكتمال الخدمات الأساسية في مواقيت الحج والعمرة ونقاط لجمع ضيوف الرحمن، وإلى مرفق ووسيلة النقل التي توصله إلى مقصده وفي تنقلاته، عوضاً عن الأيادي التي تتخاطفه من سائقي سيارات الأجرة غير النظامية التي تقابله في مكان أو الحافلات المتهالكة متدنية الكفاءة في خدماتها، كما يحتاج إلى المستشفى الذي يوفر العربة لمن يصاب بوعكة صحية من ضيوف الرحمن، مقابل غطاء تأميني لتلك الخدمات، عوضاً عن أن يكون عبئاً على جهاز الخدمات الصحية المحلي، وغيرها من الخدمات الأخرى التي تتجاوز بكثير ما تقوم به المشاريع الوقفية في الوقت الحاضر، ويعجز أو ربما يحجم عنها المطورون التقليديون غير التنمويين.

إن مما يبعث على الأمل أن الخطوات في هذا المجال لازالت في بداياتها، وأن القادم من تلك المشروعات الوقفية للحرمين الشريفين سيلبي تلك الاحتياجات التي اشرت إلى بعض منها بإذنه تعالى.

@ اكاديمي وباحث في اقتصاديات التنمية الحضرية

أترك تعليقا

أنا ومن بعدي الطوفان!

سألني كثير من القراء عن رأيي في قضية الهلال-موبايلي، وآثرت أن أقرأ وأستمع قبل أن أكتب، وأذهلني أن غالبية ردود الفعل كانت محصورة في مصلحة النادي على المدى القصير فقط، دون إعتبار للمصلحة العامة أولاً ومصلحة النادي على المدى البعيد ثانياً. وكنت أقرأ اسم ربان المفاوضات، الأمير عبدالله بن مساعد مقروناً بوصفه “المحنك”، ولأنني أراه محنكاً بالفعل فقد كنت على يقين بأنه لن يلغي عقد موبايلي ولكنه سيسعى لتحسين بنوده ومردوده، وكنت أعرف رأيه في إلغاء العقود السابقة من أجل عيون موبايلي، حيث أعلن بأنه نصح الإدارة السابقة التزام عقودها السابقة ودراسة عقد موبايلي لتعظيم مكاسب النادي مستقبلاً.

لم تستمع الإدارة السابقة لنصيحة “أبو عبدالرحمن”، فكادت تدخل الاستثمار الرياضي في نفق مظلم، لولا عناية الله ثم وقفة القيادة الرياضية التي تزامنت مع كون الأندية حديثة عهد بعقود الاستثمار من فئة عشرات الملايين، ولكنني على يقين بإن إلغاء عقد موبايلي الآن سيدخلنا في نفق مظلم يستحيل الخروج منه، بل إنه سيصيب الاستثمار الرياضي في مقتل لسببين هامين:

أولاً: كيف ستتعامل كافة الأطراف لو بادرت أندية النصر والاتحاد والأهلي لإلغاء عقدها مع الاتصالات والتوقيع مع شركة أخرى؟ طالما الأمر لا يعدو دفع الشرط الجزائي!!!

ثانياً: كيف ستقبل شركات أخرى على الاستثمار في الوسط الرياضي إذا كانت العقود تلغى تحت بند “جانا عرض أفضل”، وباستخدام ذريعة “الغبن” التي تستخدم في غير موضعها.

هذه الزاوية تكتب عن الرياضة والاستثمار منذ أكثر من عشر سنوات، ولذلك فقلمي مع الاستثمار وليس ضد أحد، ولذلك كنت ضد “موبايلي” حين أقحمت نفسها في عقود الهلال السابقة، واليوم أنا ضد “الاتصالات” في محاولتها لأخذ الثأر بنفس الطريقة، وغداً سأكون ضد “؟؟؟؟” أياً كانت الشركة وأياً كان النادي وأياً كانت الإدارة.

إنني اليوم أوجه رسالتي إلى الأمير “المحنك” عبدالله بن مساعد، وهو أعلم مني بحال الاستثمار، ولكن الحوار مع “أبي عبدالرحمن” سيثري القارئ والجماهير الرياضية، فكما يعلم بأن القيمة التجارية لاسم المنتج هي الاستثمار الحقيقي في الحاضر والمستقبل، وبناء الاسم أو العلامة التجارية لا يتحقق إلا بتاريخ طويل من الإنجازات المقترنة التزام المبادئ، ويقيني أن شركة الورق التي يملكها الأمير أصبحت الأولى في الشرق الأوسط لأنها التزمت عقودها مع كافة الأطراف، فأنعكس ذلك على أسم الشركة التي يفاخر بها في كتابه “ألف ميل في خطوة واحدة”، وأذكر أن رجال المال الإنجليز تآمروا لسلب متجر “هارودز” الشهير من مالكه العربي “محمد الفايد”، وتم تقدير قيمة المتجر كأصول بمليار جنيه أسترليني، وجمع التجار المبلغ، ولكن المفاجأة كانت في المحكمة حين قال الفايد إنه سيحمل معه أسم “هارودز” خارج بريطانيا ما لم يتم تقدير قيمة الاسم وبيعه على حدة، فقدرت المحكمة اسم “هارودز” بمليار جنيه استرليني، فانسحب التجار وثبتت ملكية المتجر للعربي “المحنك”.

نحن نمر بمرحلة تأسيس الاستثمار في الرياضة، والكل يراقب، فإما أن نقنعهم وإما أن نخوفهم، نكون أو لا نكون؟ هذا هو السؤال.. وعلى دروب الاستثمار نلتقي.

16 تعليق

أترك تعليقا

أحلام الدعوة للفضيلة في الفضائيات العربية!!

في بداية الغزو العراقي على الكويت، وعندما كنا ندرس ونحاول ان نطبق موضوع اهمية “الرأي العام” في السياسة الامريكية، وقد كان القلق لدينا في كلية العلوم السياسية كطلاب، كبيرا في تأثير الرأي العام الامريكي على عدم ارسال قوات امريكية لتحرير الكويت، ومع احترامي لمسألة الرأي العام والتي من وجهة نظري يمكن تطبيقها في امريكا في جميع المجالات، الا ان المصالح السياسية والتي كسبت الرهان ولم تنتظر للرأي العام اي تاثير على ارسال القوات الامريكية، فكان الرأي العام في هذا الامر مجرد نظرية دراسية فقط..!!

المقدمة الماضية تعليقا على قيام مجموعة من السيدات بإنشاء جمعية للدعوة للفضيلة في وسائل الاعلام تعتمد على “الرأي العام العربي”، ومع تقديرنا لمثل هذه الخطوات المثالية، الا ان الحلم والحقيقة لا يلتقيان مطلقا، فعند مطالعتك للرسالة الاولى للجمعية واسلوبها الرافض وتعابيرها ولغتها المثقلة بلغة الامر، تعتقد انه في اليوم التالي لن تجد قنوات غنائية اباحية ولن تجد مسلسلات تركية رومانسية ولن تجد مذيعين غير مؤدبين “حسب رأي الجمعية” ولن تجد ولن تجد وبالمقابل سوف تشاهد فضائيات اكثر من مثالية وممثلات محجبات ومذيعين مؤدبين، ولن تجد عطر مهند ولميس!!.

كيف تكون جملة “اننا لن نسمح” هي لغة خطاب لجمعية تطوعية وتكرر عدم السماح اكثر من تسع مرات وبعمومية غارقة وبدائية، والغريب ان اغلبية اعضاء الجمعية من حملة حرف “الدال” ولكن عندما تتطلع على موقعهم المخصص لحماية الفضيلة اعلاميا، تستغرب بالفعل قلة خبرتهن في التعاطي مع الواقع الاعلامي الفضائي العربي والمؤثرين فيه!! وهذه الجمعية تذكرني قبل سنوات بمبادرة المغنية السورية اصالة نصري باعلانها في باريس لجمعية لمحاربة “التعري الغنائي العربي” بعد ان اصبحت اصالة في المراتب الخلفية بعد هيفاء وهبي ونانسي وروبي وغيرهن، ولكن اصالة وجدت ان تقليدهن بعمليات التجميل ومنافسة هؤلاء المطربات هو الحل لاستمرار نجوميتها، اما الجمعيات وغيرها فلن تعدو احلاما في احلام!!.

منذ انطلاقة الفضائيات والجميع ونحن نكتب وننتقد وكنا نتوقع ان رسالتنا ستصل، ولكن في كل يوم نجد ان القادم اصعب وان ما كان في الماضي من اباحية افضل من الموجود حاليا والقادم مذهل!!. الكثيرون يرددون السيد “الريموت” هو القاسم المشترك للبحث عن القنوات الاكثر احتراما، والبعض يريدك ان تعيش في العصور الوسطى بعيدا عن وسائل الاعلام!!.

نحن لا نحتاج لجمعيات تطوعية وكلام معسول وتصبح النسبة الاكبر من اموال هذه الجمعيات رواتب للعاملين بهذه الجمعيات وليس للمحتاجين لهذه الجمعيات كما هو حال جمعياتنا في المملكة، نحن نحتاج لوعي وقرارات اعلامية كبرى من اعلى السلطات العربية، فكما اجتمع الوزراء العرب لمناقشة البرامج والقنوات السياسية وخطرها في الاساءة للرؤساء العرب، نحتاج لمن ينظم البث الفضائي بوعي وليس بترديد “اننا لن نسمح”!!

الفضاء العربي تتحكم به امبراطوريات اعلانية واكرر اعلانية، لن تلتفت لجمعيات تطوعية او احلام سيدات!!.

“الاشكالية الكبرى اننا نحاول ان لانفهم الواقع الذي نعيش

أترك تعليقا

قيمنا وصناعة الثقافة المجتمعية..!

في كل المجتمعات تتميز القيم الحديثة بصعوبة الوصول وبشكل سريع إلى المنظومة المجتمعية حيث تبدأ مساحة الاعتناق للجديد من القيم، الإشكالية الدائمة في القيم الاجتماعية هي تأصل السلبي منها في البناء العقلي للأفراد وصعوبة انفكاكه منها مهما بلغت درجة تميزه المعرفي ومن ذلك قيم التطرف والعصبية على سبيل المثال.

ولعل السؤال المبكر الذي يجب أن نطرحه هو: لماذا نحن بحاجة لفهم مفاتيح المجتمع وعلاقة ذلك بالقيم..؟ في الحقيقة المجتمع ليس كتلة جامدة نستطيع أن نقوم بدحرجتها في الاتجاه الذي نريد متى شئنا..! المجتمع تكوين يتم التعرف إليه عبر (ثقافته المجتمعية كما يقول علماء الاجتماع) بغض النظر عن تطور هذه الثقافة أو تخلفها ولذلك هناك لغة محددة اسمها التكوين المجتمعي ومنتجاته الفكرية والثقافية وقيمه وعاداته وتقاليده والتي نستطيع من خلالها أن نشخص مجتمعاً بعينه.

في مجتمعاتنا تبرز قضية صراع القيم أكثر من غيرها نظراً لتأصل قيم تقليدية بعضها أقدم من العقائد والأفكار التي يتعاطاها المجتمع. نحن في التصنيف العالمي دول نامية وليس هذا المدلول مقتصراً على عدم النمو الصناعي فقط وإنما العنصر الأهم النمو كمدلول شامل للتكوين المجتمعي حيث تتشكل سمات المجتمع الفكرية والثقافية والصناعية.

في تحليل مبسط لمجتمعاتنا هناك دائماً طرف تلتقي فيه القيم الحديثة والقيم القديمة هذا الطرف هو أكثر المواقع الاجتماعية سخونة حيث يتشكل هناك صراع مستمر يتمثل في مقاومة القديم للحديث هذا الطرف هو ثقافة المجتمع الخط الأول لتلقي القيم التقليدية.

المجتمعات الحضرية أكثر من الريفية تلقياً للجديد من القيم حيث أن المجتمعات الريفية غالباً ما تكون بعيدة شيئاً ما عن الصدام الأولي مع المستحدث من القيم، هذا يحدث في المجتمعات التي يكون فيها التوزيع بين المجتمعات الحضرية والريفية شبه معتدل من حيث توزيع السكان.

السؤال الثاني هنا: هل لدينا مجتمعات ريفية وحضرية تتصارع مع القيم وما هو أثرها في صناعة كتل التشدد بجميع أشكاله والغلظة والتعصب في مجتمعاتنا..؟

لدينا إشكالية كبرى ذات علاقة بتوزيع السكان جغرافياً ففي مجتمعاتنا العربية بشكل خاص نحن نعتمد على التجمعات السكانية الكبيرة والتي يمثلها بناء المدن ذات الأعداد المهولة من السكان بشكل سريع وغير متدرج مما يسبب طفرة في ثقافة تلك المدن.

هذه المنهجية ساهمت في تدفق سكان الريف بما يمتازون به من تقليدية عالية الحساسية إلى المدن الرئيسة والتي أصبحت فيما بعد مدناً كبرى توسعت بفعل الهجرة الكبيرة والسريعة إليها.

سكان هذه المدن ممن قدموا من الأرياف والمناطق النائية ليس لديهم الاستعداد الكامل لتقبل القيم الحديثة في المدينة بل إن الكثير منهم يتصادم مع هذه القيم وينشئ تجمعات سكانية أو أحياء تكون أكثر من غيرها في التشدد لصالح فكر اجتماعي بعينه أو ثقافة ريفية محددة.

هناك أمثلة كثيرة حدثت في عواصم عربية تعكس هذه النظرية وتثبتها حيث يوجد أحياء لها من سمات التشدد والأدلجة ما يجعلنا نستغرب مثل هذه التجمعات في العواصم الكبيرة ذات الطابع المنفتح.

إذا تكونت في العواصم والمدن الكبرى تكتلات تقليدية عالية فمعنى هذا أن هناك خللاً ظاهراً في تلك العواصم من حيث التكوين الجغرافي والثقافي، فليس من التطور والنمو نقل كل سكان الريف إلى المدن الكبرى فالواقع هو أن تمنح سكان الريف مقومات تكفل بقاءهم في مناطقهم لدرء طفرة ثقافة المدن.

الحقيقة انه نشأ لدينا سمة معاكسة لحركة المجتمعات الطبيعية حيث أن العواصم غالباً هي الأقل تصادماً مع القيم الحديثة وهي مسبار الاختبار للجديد من القيم ولكن الذي يظهر في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية عكس ذلك بكثير، ولعل السبب واضح مما ذكرت هنا فالقضية أن الريف انتقل إلى المدن الكبرى التي تحولت إلى ريف كبير تضاعفت فيه ممارسات فكرية وثقافية تقليدية.

انتقل الكثير من سكان الريف في مجتمعاتنا من مناطق مختلفة ومواقع متباينة فشكلوا تكتلات تقليدية أفرطت في تشاؤمها من واقع المدن الكبيرة فلذلك لم يكن أمامها سوى التمسك بالأفكار التقليدية ومحاولة فرضها بشتى الطرق، فهي أتت بها من الريف وتم تعزيزها بطرق شتى منها رفض الحديث بفرض القديم على الثقافة المجتمعية.

في الحالة الطبيعية يتم نقل الأفكار الحديثة والقيم الجديدة من المدن الكبرى إلى الريف تدريجياً وتواجه المجتمعات الكثير من الصعوبات في نشر الأفكار الحديثة في المجتمعات الريفية والبعيدة عن المراكز وهذا يحدث في المجتمعات ذات التوزيع السكاني المعتدل.

في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يحدث العكس تماماً فالريف ينقل تشدده إلى المدن الكبرى التي تتحول إلى ريف كبير متكتل من عدة مجتمعات تقليدية يصعب مواجهتها فكرياً وثقافياً، وخير دليل على ذلك أن معظم قيادات التشدد والتطرف الفكري بغض النظر عن نوع هذا التشدد يأتون من تجمعات ريفية أو قروية أو قبلية.

في مجتمعاتنا يفقد المجتمع توازنه بدرجة كبيرة ويصعب وضع خط فاصل بين الريف والحواضر السكانية وهذا يعبر عن خلل في علاقة المدن الكبرى بأطرافها من الريف المتمثل في القرى الزراعية والرحل من البدو وغيرهم من الجماعات الريفية.

السؤال الثالث هنا يقول: ما علاقة ذلك بالايدولوجيا والتشدد..؟ الواقع أن التشدد كنهج فكري استطاع أن يجتاح المجتمعات بشكل متسارع نظراً لأنه يتحدث لغة رافضة للقيم الحديثة بغض النظر عن درجة خطورتها أو منطقية ذلك التحذير من الأخطار التي يمكن أن تتركها القيم الحديثة، فلازالت رواسب القيم ومنها قيم التعصب للمكان والجماعة تحتل موقعاً مرموقاً في نفوس الأفراد في مجتمعاتنا العربية بشكل خاص.

لقد انتهينا إلى أننا لا نجد صعوبة في ملاحظة كل مظاهر الريف والقرى متوفرة في المدن الكبرى بل حتى في طريقة الملبس والمأكل والمشرب بل تعدى الأمر إلى أن مظاهر الحياة مثل الخيمة والمنزل الطيني واستخدام الأدوات القديمة إنما شكلت عنصراً أساسياً في مظاهر المدن.

هذا الخلط العجيب في تركيباتنا السكانية له علاقة مباشرة بأفكارنا وطريقة فهمنا للحياة، واستطيع القول ان احد أسباب التشدد والغلو في فكرنا وعصبيتنا نحو المكان والزمان والجماعة مرتبط بكيفية بناء ثقافة المدن لدينا.

مدننا ليس لها ثقافة تميزها إنما هي امتداد لباديتنا ومزارعنا ولذلك وعينا الثقافي محدود في فهم كيف تتكون ثقافتنا الاجتماعية ولماذا وكيف تنشأ لدينا الظواهر السلبية.

تقليديتنا جعلتنا تواقين إلى تمثيل الماضي بشكله وفكره وخيمته ومزرعته البسيطة وحيواناته وهذا ما جعل من السهل علينا اعتناق الأفكار والتشدد من اجلها، اعتقاداً منا أنها الممثل الوحيد للماضي والتقاليد، فنحن نتداول خطاب الماضي ليس إعجاباً به بقدر ما هو انعكاس لحقيقتنا وشخصياتنا.

عالمنا الإسلامي والعربي مهيأ للكثير من مظاهر التشدد لسبب بسيط يتمثل في غياب تام لفهم طبيعة المجتمعات والتوزيعات السكانية، مدننا ليس لها ثقافة تميزها عن غيرها فنحن خليط من ثقافات حضرية وريفية تصارع بعضها ولذلك يصبح من الطبيعي أن ينشأ بيننننا كل ما لم نتوقعه من مظاهر فكرية سواء تطرفاً أو غيره.

أترك تعليقا

عبدالله الجفري..

فاصلة :

“هناك دواء لكل شيء ماعدا الموت”

- حكمة عالمية -

* عندما أرسل لي الزميل “سعد المحارب” رسالته الجوالية تنبئ بخبر رحيل الاستاذ “عبدالله الجفري” عن عالمنا، أحسست بغصة في حلقي.

مات “عبدالله الجفري”.. مات الذي قرأنا الحب والخير والسلام في كل حروفه.

وتذكرت تقصيري في السؤال عنه مؤخرا في غربتي، وتذكرت وقفته التي لا أنساها حين كتب داعماً ومشجعاً لي حين استلمت جائزة الصحافة العربية قبل ثماني سنوات.

كنت آنذاك بحاجة الى مثل كلماته من اديب كبير بحجمه، وهو لم يكن ليحتاج ان يكتب عني وعن جائزتي وهو الأستاذ والأديب والإعلامي الشهير.

لكنه فعل ذلك، والأكيد أنه فعل الكثير لكثير من الزملاء والزميلات فقد كان يمتلك قلباً مفعماً بالعطاء.

نعم كان كبيراً بعطائه لكل من حوله، يلتقط بنبض قلبه من يحتاج إلى العطاء أو الدعم كانه سحابة خير لا تمطر إلا الخير والسلام.

ليرحمه الله قدر ما سعى للخير في حياته وامتثل الصدق في كتاباته.

عبر شبكة الانترنت قرأت ما كتب عنه في الأيام الماضية.. بعض مواقفه المشرفة كتبها أصدقاؤه وزملاؤه من يقرأها لا يملك سوى الدعاء له بالرحمة والمغفرة وسكنى الجنة.

أنا لست مثلهم فلا ذكريات لي مع شخصه، لكن لي ذكريات مع كتبه التي أدمنها جيلنا في محاولة منه للتشبث بالرومانسية.

عندما يخطف الموت انسانا تحبه تشعر بأنك وحيد في العالم بدونه لكن “عبدالله” لم يتركني وحيدة بل ترك أجيالاً من المعجبين بحرفه المتعلقين بفكره.

لكنه الموت لا يفرق بين أحد من الخليقة يذهب ليؤدي ما قدر الله ويقبض روح من اختاره الله إلى عالم الخلود.

وداعاً لأديب كبير عاش لينشر الخير والسلام وترك لنا إرثاً من القيم النبيلة والحروف النابضة بعطائه.

أترك تعليقا

من مهند إلى مناحي وسليّم وكريّم وباقي الأسرة .. بلا تحية!

الحمد لله أن وطننا الغالي لا يعتمد اقتصاده الوطني على دخله من السياحة والا أمضينا شهر الصيام في نكدين، نكد المشاهدة للنماذج التي قدمها التلفزيون في مسلسلاته الرمضانية، ونكد الجوع حين يعرض السائحون عن الاختلاط بالبلهاء ويضيع الدخل..

بصراحة قد أكون من أكثر الناس تشجيعا وحماسا لأي عمل فني محلي، لكن عندما يصل الأمر إلى ترجمة هذا الحماس إلى معان تسيء إليّ شخصيا، وترميني بالجهل والتخلف إلى آخر هذه المنظومة فلا بد أن أعلن انسحابي إلى أرض الحياد على الأقل، مع أن هذا الحياد والكف عن الكلام لاينقذان أعزاءنا مناحي أو سليّم أو كريّم أو غيرهم من واقعهم الذي أصبح في ذمة التاريخ ك “نموذج المواطن السعودي سنة 2008م”.. يا الله، المطلوب منا أن نضحك عنوة؟ أم نصارع البكاء عنوة ؟

“مهند” شخصية المسلسل التركي التي حظيت بشهرة أكبر عدة مرات من شهرة “التايد” أو أي مسحوق للغسيل، والتي تسببت في خلافات عائلية داخل البيوت، لا يستطيع أحد – مع تلك الشخصية أو ضدها – أن يغفل حقيقة مروعة : لقد تسبب هذا المسلسل في زيادة هائلة في أعداد السياح – الخليجيين خصوصا – إلى تركيا، وبالتالي زيادة الدخل الوطني لتركيا التي تعتمد على السياحة كمصدر دخل رئيسي، “يا حظهم بالعيد السعيد “، فكثيرون أغراهم زيارة القصر، وآخرون وقفوا وقالوا: “من هنا مر مهند”!.

أغلب الظن أن الأتراك لم يفكروا في مغانم السياحة من وراء مسلسل تلفزيوني، لسبب بسيط هو أنهم – مثل الأسبان – لديهم همّ في جلب السائح إلى بلادهم ومن ثم كل شيء يعمل في اتساق وتناغم مع هذا الهاجس، حتى الاعلانات التلفزيونية عن الرحلات الجوية أو الشاي التركي أو غيره نشم من ورائها دعوة محببة إلى ضيافة في تركيا.

لسنا بلدا سياحيا، ومع ذلك فأصحاب شخصيات البلاهة مصرون على ترويج البضاعة عبر إغراءات رسائل ال sms لكل من يريد أن يراها قبل الآخرين (قبل موعد بث الحلقة)، وعبر الاتصالات للحصول على لوجو أو نغمة، وأقراص ال cd المدمجة من مختلف دول العالم وان فاتتهم “كروت العيد” البريدية والحمد لله .

كنت أقول إنني من أكثر المتحمسين للانتاج الفني المحلي، ما زلت عند موقفي والأمر لله، فقط أدعو إلى وضع “العمل المناسب في الموقف المناسب” فلا نروج سياحيا بمسلسلاتنا، وأنما لدي اقتراحات محددة مناسبة، بأن ننتج عددا هائلا من الصور لأبطال مسلسلات البلاهة في مختلف الأوضاع والمشاهد والحركات ونسوّقها محليا وعالميا، محليا اذا كانت صورة “مهند” قد أفسدت العلاقات الزوجية عند البعض، فصور أبطالنا كفيلة باصلاحها، لن يغار منها زوج أن وجدها على الجوال حتى وان كان ضارباً في الدمامة، وستشعر الزوجة بالسعادة أن وفقها الله إلى زوجها الدميم أرحم من أي من هؤلاء، وسيتم تحديد النسل تلقائيا دون وسائل طبية، باتفاق مشترك للزوجة والزوج خوفا من أن يرزقا بطفل شبيه، ودوليا يمكن أن نضع صورا بمشاهد منها في القنصليات في الخارج وفي السفارات، وبالتأكيد ستنحصر أعداد العمالة الوافدة التي نعاني منها، وسوف تحل مشكلة الأعداد المتزايدة للحجاج تلقائيا، وربما نتخلص من الدول غير المرغوب فيها لعلاقات دبلوماسية دون سحب السفير أو إعلان الخصام، فقط نطرح تلك المشاهد في أسواقها من باب “الشطارة والتجارة”!!

أترك تعليقا

المواضيع السابقة »